ابن عربي

374

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

مع اجتماعهم في الرسالة والكمال يفضل بعضهم بعضا فيما لهم من الأخلاق الخاصة بهم ، وهي مائة وسبعة عشر خلقا ، [ مكانه محمد ( ص ) ] وقد جمعها كلها محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، جمعت له عناية أزلية ، فإن اللّه تعالى لما خلق الخلق خلقهم أصنافا ، وجعل في كل صنف خيارا ، واختار من الخيار خواصا وهم المؤمنون ، واختار من المؤمنين خواصا وهم الأولياء ، واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء ، واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم ، واختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروقة وهم الرسل أجمعهم ، واصطفى واحدا من خلقه هو منهم وليس منهم ، هو المهيمن على جميع الخلائق ، جعله عمدا

--> دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ » أي ولولا دفاع اللّه الناس بعضهم ببعض ، أي ولولا أن اللّه يدفع بأوليائه شر أعدائه وفسادهم الذي يرمونه في دين اللّه وأوليائه « لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » أي لظهر الفساد في الأرض « وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » أي ذو منة وعناية على العالمين ، يعني عباده ، ثم قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : ( 253 ) « تِلْكَ آياتُ اللَّهِ » يعني جميع ما ذكره من هذه القصة « نَتْلُوها عَلَيْكَ » أي نعرفك بها « بِالْحَقِّ » أنها حق « وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » يقول : كما أرسل هؤلاء ، وأنك ستلقى مثل ما لقي هؤلاء ، وتعزية له لما لقيه من بني قريظة والنضير ، ولما كانت الأنبياء قد جعلها اللّه صنفين : صنف أرسلهم إلى الخلق مبشرين ومنذرين ، وصنف لم يرسلهم بل نبأهم وجعلهم على شريعة من عنده تعبدهم بها ، قال لمحمد عليه السلام : « وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » منهم ، أي من الصنف الذي أرسل ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم أعظم الرسل ، إذ كان الرسالة إلى كافة الناس ، فجميع بني آدم من زمان رسالته إلى يوم القيامة من أمته ، من آمن منهم ومن كفر ، فميزانه أرجح الموازين ، وسواد أمته أكثر سوادا يوم القيامة من سائر الأمم ، فهو المكاثر الذي لا يكاثر ، ثم نرجع إلى ذكر القصة بعد انقضاء التفسير فنقول : إن بني إسرائيل لما استولى عليهم جالوت وأخرجهم من ديارهم وحال بينهم وبين أبنائهم بالأسر والجلاء والقتل ، وأخذ التابوت الذي كانت تستنصر به الأنبياء على أعدائها في القتال ، وكان موسى لما مات في التيه ترك التابوت عند يوشع بن نون بن أفراييم ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ، وأوصاه به ، وما زال التابوت ينتقل من نبي إلى نبي بالوصية عليه ، إلى أن كفرت بنو إسرائيل وضلوا ، سلط اللّه عليهم جالوت فاتكا فيهم ، فقيل إن التابوت رفعه اللّه ، وقيل إن جالوت استولى عليه وأخذه منهم وبقي عنده ما شاء اللّه ، ولما رأت بنو إسرائيل ما جرى عليها ، اجتمع وجوههم إلى النبي الذي كان عندهم في ذلك الوقت وهو شمويل ، فقالوا له : إن عدونا استولى علينا وليس لنا ملك ولا رأس نرجع له ونسمع له